محمد راغب الطباخ الحلبي
142
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل « 1 » انهض لبد ، هيهات صدّك الأبد ولما ورد الكتاب المشتمل أولية ( هكذا ) على ما لا يستوجبه من حسن الظن « 2 » ، عكفت به عليّ الغربان مبشّرات ، مثلّثات بالنعيب ومعشّرات ، لو أنس إليّ ابن دأية لم أخله إن رغب في الحلي من حجل في الرجل ، أو تقليد يقع بالجيد ، ولضمّخت جناحه مسكا وعنبرا ، وكسوته وشيا وحبرا ، على أنه يختال من لون الشبيبة في أحسن سبيبة ، يا غراب لغيرك بعدها التراب ، إن قضى اللّه نبذت لك ما تؤثره من الطعام ، إتاوة في كل يوم لا في كل عام ، كأن كتابه الكريم قسيمة من الطيب تضوّع بالأناب القطيب ، وكأنما طرقتني منه روضة نجدية ، سقتها الأنواء الأسدية ، فعمد ثراها وأرجت رباها ، وأبدى بهارها للأبصار ، كدنانير ضربت قصار ، وازدانت من الشقيق ، بمشبه العقيق ، ولعب فيها الماء ، وهي أرض وكأنها سماء ، ولها من النجم نجوم ، ومن طل الشجر دمع مسجوم ، ولقد سألت الوارد أن يؤنسني بتركه ( لدي ) لكي أستمع في ناجر ، بمشابه خبيئة الحاجر ، ولأن أكون جليس الروضة بينا يرى لها منظرا مبهجا ، ساف منها عرفا متأرّجا ، وإن العامة عهدتني في صدر الأمور أستصحب شيئا من أساطير الأولين ، فقالت : عالم ، والناطق بذلك الظالم . ورأتني مضطرا إلى القناعة ، فقالت : هذا زاهد ، وأنا في طلب الدنيا جاهد . وزاد تقوّل القوم عليّ حتى خشيت أن أكون كأحد الجهال الذين ورد فيهم الخبر المأثور عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الناس ، ولكن يقبض العلم بموت العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلّوا وأضلّوا » فغدوت حلس ربع كالميت بعد ثلاث أو سبع . ثم حدثت علّة كنّي عنها في المستمع ، وعاقت عن الحضور في الجمع . وفي الكتاب العزيز يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . وإنما ذكرت لك ذلك لينتهي إلى الموقف الأشرف أن تخلفي لمرض ، عاق عن أداء
--> ( 1 ) البيت للبيد . ( 2 ) في الطبعة المصرية : ولما كان اليوم الذي ورد فيه الكتاب المشتمل من حسن الظن بوليه على ما لا يستوجبه .